صديق الحسيني القنوجي البخاري
20
فتح البيان في مقاصد القرآن
أصل العصيان كله ، وفي الحديث الصحيح « إن المتكبرين أمثال الذر يوم القيامة تطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم » « 1 » أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تصغر لهم أجسامهم في المحشر حين يضرهم تصغيرها وتعظم لهم في النار حين يضرهم عظمها » ذكره القرطبي . والحاصل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد بيّن ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمط الناس ، فهذا هو الكبر المذموم ، وقد ساق صاحب الدر المنثور عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها ، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب العزيز . ثم شرع في ذكر شيء من قبائح المشركين فقال : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي وإذا قال لهؤلاء الكفار المنكرين المستكبرين قائل ما ذا أي أيّ شيء أو ما الذي أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قيل القائل النضر بن الحرث وكانت عنده كتب التواريخ ويزعم أن حديثه أجمل وأتم مما أنزل على محمد ، والآية نزلت فيه فيكون هذا القول منه على طريق التهكم . وقيل القائل هو من يفد عليهم أو بعضهم لبعض ، وقيل القائل المسلمون . فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ بالرفع أي ما تدعون أيها المسلمون أساطير الأوائل وأحاديثهم وأباطيلهم ، أو أن المشركين أرادوا السخرية بالمسلمين فقالوا المنزل عليكم أساطيرهم ، وعلى هذا فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون جوابا من المشركين وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأولين والكفار لا يقرون بالانزال ، ووجه عدم وروده هو ما ذكرناه . وقيل هو كلام مستأنف أي ليس ما تدعون إنزاله أيها المسلمون منزلا بل هو أساطير الأولين ، والأساطير الأباطيل والترهات التي يتحدث الناس بها عن القرون الأولى وليس من كلام اللّه في شيء ولا مما أنزله أصلا في زعمهم ، وهي جمع أسطورة كأحاديث وأضاحيك وأعاجيب جمع أحدوثة وأضحوكة وأعجوبة . لِيَحْمِلُوا أي قالوا هذه المقالة لكي يحملوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ لم يكفر منها شيء لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب ، وقيل إن اللام هي لام العاقبة لأنهم لم يصفوا القرآن بكون أساطير لأجل أن يحملوا الأوزار ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعلل به كقوله لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] ، وقيل هي لام الأمر . قال الرازي في الآية : وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة باب 47 ، وأحمد في المسند 2 / 179 .